كاتب «لعبة الحبار» من الإفلاس إلى العالمية.. نجاح أسطوري بلا ثروة شخصية
رغم أن مسلسل «لعبة الحبار» حقق عائدات قُدّرت بنحو 900 مليون دولار، فإن كاتب العمل لم يصبح ثريًا كما يعتقد كثيرون، في قصة تكشف الوجه الخفي لصناعة المنصات الرقمية.
في سبتمبر 2021، لم يكن أحد يتوقع أن يتحول مسلسل كوري جنوبي منخفض الميزانية نسبيًا إلى ظاهرة ثقافية عالمية، تجتاح منصات التواصل الاجتماعي وتتصدر قوائم
المشاهدة في أكثر من 90 دولة. «لعبة الحبار – Squid Game» لم يكن مجرد عمل ترفيهي، بل مرآة قاسية للرأسمالية، والفقر، واليأس الإنساني.
لكن خلف هذا النجاح الساحق، تختبئ قصة شخصية مأساوية لصانع العمل، الكاتب والمخرج الكوري الجنوبي هوانغ دونغ هيوك، الذي عاش سنوات طويلة من الفشل والإفلاس قبل أن يرى مشروعه النور.
سنوات من الرفض والإحباط
بدأت فكرة «لعبة الحبار» قبل أكثر من عشر سنوات، عندما كان هوانغ شابًا يعاني من ضائقة مالية شديدة. استلهم
العمل من طفولته وألعاب الشوارع الكورية، ممزوجة بتجربته القاسية مع الديون وعدم الاستقرار المادي.
كتب السيناريو عام 2009، لكنه قوبل برفض شبه كامل من شركات الإنتاج. وُصف المشروع حينها بأنه «عنيف أكثر من اللازم»، و«غير مفهوم»، و«غير قابل للتسويق جماهيريًا».
في تلك الفترة، اضطر هوانغ إلى اتخاذ قرارات قاسية للبقاء، أبرزها بيع جهاز الحاسوب المحمول الخاص به مقابل مبلغ
زهيد لتوفير نفقات المعيشة، وهو الجهاز الذي كتب عليه المسودة الأولى من العمل.
من فكرة منسية إلى مشروع عالمي
ظل السيناريو حبيس الأدراج لأكثر من عقد، إلى أن أعادت منصة نتفليكس اكتشافه في إطار بحثها عن محتوى غير تقليدي للأسواق العالمية. تم الاتفاق على إنتاج المسلسل
ضمن ميزانية محدودة نسبيًا مقارنة بالأعمال الأمريكية الضخمة.
وقّع هوانغ عقدًا تقليديًا مع نتفليكس، وهو ما سيصبح لاحقًا نقطة الجدل الكبرى، إذ لم يتضمن العقد أي بنود تمنحه نسبة من الأرباح أو العوائد طويلة الأجل.
تم إنتاج المسلسل في هدوء شبه تام، دون توقعات عالية، ليُعرض لاحقًا ويحقق انفجارًا غير مسبوق في نسب المشاهدة.
900 مليون دولار.. لكن لمن؟
وفق تقديرات اقتصادية، حقق «لعبة الحبار» قيمة تجارية تقترب من 900 مليون دولار من الاشتراكات الجديدة والعوائد غير المباشرة لنتفليكس.
ومع ذلك، لم يحصل كاتب العمل إلا على أجره المتفق عليه مسبقًا، دون أي مكافآت إضافية أو نسب من الأرباح، وهو ما صرّح به هوانغ علنًا في مقابلات صحفية لاحقة.
قال هوانغ: «لم أصبح غنيًا، نتفليكس حققت أرباحًا ضخمة، أما أنا فحصلت فقط على الأجر الأساسي».
رسالة المسلسل تنعكس على واقعه
المفارقة الصادمة أن القصة التي ينتقد بها المسلسل النظام الرأسمالي، تعكس الواقع الحقيقي لصانعه. فكما يتنافس أبطال المسلسل في لعبة قاسية من أجل المال، وجد هوانغ
نفسه جزءًا من منظومة لا تكافئ المبدعين بقدر ما تكافئ المؤسسات الكبرى.
هذا التناقض أثار نقاشًا عالميًا حول عقود المنصات الرقمية، وحقوق المبدعين، وضرورة إعادة النظر في آليات توزيع الأرباح في صناعة المحتوى.
تغيير قواعد اللعبة بعد النجاح
بعد النجاح غير المتوقع، تغيرت مكانة هوانغ داخل الصناعة تمامًا. أصبح اسمه مطلوبًا، وارتفعت قدرته التفاوضية بشكل كبير، خاصة بعد الإعلان عن مواسم جديدة من «لعبة الحبار».
وأكد هوانغ في تصريحات لاحقة أنه أعاد التفاوض على عقوده المستقبلية، مستفيدًا من الدروس القاسية التي تعلمها خلال تجربته الأولى.
نجاح فني وتأثير ثقافي عالمي
بعيدًا عن الجانب المالي، حقق «لعبة الحبار» إنجازًا فنيًا استثنائيًا، حيث أعاد تعريف مكانة الدراما الكورية عالميًا، وفتح الباب أمام محتوى غير ناطق بالإنجليزية للهيمنة على السوق العالمي.
تحولت رموز المسلسل، مثل الأقنعة والألعاب، إلى أيقونات ثقافية، وأصبح العمل موضوعًا للنقاش الأكاديمي والنقدي في جامعات ومراكز بحث حول العالم.
قصة «لعبة الحبار» ليست فقط حكاية نجاح تلفزيوني، بل درس قاسٍ في عالم الإبداع الحديث. نجاح قد يغير حياة الملايين من المشاهدين، لكنه لا يضمن بالضرورة عدالة مالية لصانعيه.
وبينما يستعد العالم لمواسم جديدة من العمل، تبقى قصة كاتب «لعبة الحبار» تذكيرًا مؤلمًا بأن وراء كل نجاح ضخم، قد يقف مبدع دفع ثمنًا باهظًا قبل أن يصل إلى الضوء.


