تحرير.الكاتب: osama mahmoud
تاريخ النشر ،14،نوفمبر،2025
أزمة المياه في إيران: تحذيرات متصاعدة واحتمال إخلاء طهران
وتعتبر أزمة المياه في إيران اليوم ملفًّا استراتيجيًّا يمسّ الأمن القومي والغذائي والصحي، وليس مجرد مشكلة مناخية عابرة. فقد وصلت مستويات الجفاف إلى مرحلة جعلت السدود شبه فارغة، والمياه الجوفية في أدنى مستوياتها منذ نصف قرن، ما وضع ملايين المواطنين أمام مستقبل غامض.
أرقام صادمة: السدود تفقد 97٪ من مخزونها
تشير البيانات الرسمية إلى أن مخزون السدود في إيران انخفض إلى مستويات خطيرة، وصل بعضها إلى 97٪ من فقدان القدرة التخزينية. وتؤكد تقارير وزارة الطاقة
الإيرانية أن 210 مدن تواجه درجات متفاوتة من الإجهاد المائي، بينما تعيش 80 مدينة أخرى حالة “إنذار أحمر” بسبب نقص المياه الصالحة للشرب.
أبرز الإحصاءات المتداولة:
- انخفاض مخزون 12 سدًا رئيسيًا بأكثر من 90٪.
- تراجع المياه الجوفية في 420 حوضًا مائيًا رئيسيًا.
- فقدان ما يقارب 70٪ من الأراضي الزراعية في بعض المحافظات.
- توقف مئات الآبار عن الإنتاج بسبب الجفاف والملوحة.
هذه الأرقام تكشف حجم الفجوة المتزايدة بين الطلب والاستهلاك، وتوضح أن أزمة المياه في إيران تتجاوز القدرة التقليدية للدولة على معالجتها بالحلول الحالية.
طهران في دائرة الخطر: لماذا تتجه العاصمة نحو سيناريو الإخلاء؟
يعيش أكثر من 9 ملايين شخص في طهران، وتعتمد المدينة بشكل كبير على المياه القادمة من السدود المحيطة. ومع جفاف معظمها، أصبح احتمال الإخلاء الجزئي أو المؤقت واردًا في حال فشل الحكومة في تأمين بدائل سريعة.
أسباب تهديد العاصمة:
- انخفاض منسوب المياه في سد لار وسد طالقان وسد كرجب إلى مستويات قياسية.
- زيادة الاستهلاك اليومي في طهران بمعدل يفوق إنتاج الشبكات.
- ضعف البنية التحتية وعدم قدرتها على تعويض التسرّبات التي تُقدّر بـ30٪ من المياه المنتَجة.
- الاعتماد شبه الكامل على السدود دون وجود بدائل مثل تحلية المياه.
وينبّه خبراء البيئة إلى أن استمرار الوضع الحالي لمدة عامين فقط قد يجعل العاصمة مدينة غير صالحة للعيش إلا في مناطق محدودة، ما يفرض سيناريوهات قاسية لإدارة السكان.
أسباب الأزمة: مناخ متغير وسوء إدارة
على الرغم من أن إيران تقع في واحدة من أكثر مناطق العالم جفافًا، فإن المشكلات المناخية ليست وحدها المسؤولة عن الوضع الحالي. فالكثير من الخبراء يؤكدون أن سوء الإدارة وتدهور البنية المائية لعبا دورًا أكبر في تفاقم الأزمة.
أبرز الأسباب الجذرية:
1. تغيّر المناخ وانخفاض معدلات الأمطار
تشهد إيران تراجعًا حادًا في معدلات الأمطار منذ عام 1998، بمتوسط انخفاض يبلغ 20–30٪، ما جعل الاعتماد على موارد المياه التقليدية أكثر صعوبة.
2. الاستهلاك الزراعي المفرط
أكثر من 90٪ من مياه إيران تُستهلك في الزراعة، رغم اعتمادها على طرق ري بدائية تهدر كميات ضخمة من المياه.
3. مشاريع السدود غير المدروسة
تسببت عشرات السدود التي بُنيت خلال العقود الماضية في تغيير توزيع المياه بين المحافظات، ما خلق صراعات داخلية ونقصًا حادًا في مدن مثل أصفهان والأهواز.
4. الحفر العشوائي للآبار
أدى ذلك إلى انهيار مستويات المياه الجوفية وزيادة الملوحة، ما جعل بعض الأحواض المائية غير قابلة للاستصلاح.
5. التوسع العمراني والزيادة السكانية في طهران
نمت العاصمة بشكل سريع، ما ضاعف الطلب على المياه دون تطوير شبكة تضمن الاستدامة.
انعكاسات الأزمة على الحياة اليومية
تؤثر أزمة المياه في إيران بشكل مباشر في حياة المواطنين، بدءًا من الزراعة والصناعة وصولًا إلى الصحة العامة. ففي القرى والمناطق الساحلية، تعتمد آلاف الأسر على صهاريج المياه المتنقلة، بينما تشهد مناطق أخرى انقطاعات تمتد لساعات طويلة يوميًا.
أهم آثار الأزمة:
- ارتفاع أسعار الخضروات والفاكهة لأكثر من 60٪.
- هجرة سكان القرى إلى المدن بسبب الجفاف.
- انتشار أمراض جلدية نتيجة استخدام مياه غير آمنة.
- تراجع إنتاج المصانع التي تعتمد على المياه.
- عمليات احتجاج في بعض المحافظات للمطالبة بالمياه.
إيران ودول الجوار: أزمة تهدد الأمن الإقليمي
لا تؤثر الأزمة الحالية على الداخل الإيراني فقط، بل تمتد تداعياتها إلى العلاقة مع دول الجوار، خصوصًا العراق وأفغانستان، بسبب الخلافات حول الأنهار المشتركة مثل هلمند ودجلة والفرات.
ويرى محللون أن تعزيز السدود الإيرانية على روافد الأنهار المشتركة أدى إلى انخفاض تدفقات المياه نحو العراق، ما تسبب في توترات سياسية متكررة. وفي المقابل، تتهم إيران الحكومة الأفغانية بعدم الالتزام بالاتفاقيات المائية المتعلقة بنهر هلمند.
هل يمكن إنقاذ الوضع؟ السيناريوهات المحتملة
في ظل استمرار أزمة المياه في إيران، تبرز عدة سيناريوهات محتملة للمرحلة المقبلة:
1. التحلية: الحل الأكثر تكلفة
تخطط إيران لتوسيع مشاريع تحلية مياه الخليج، لكنها تواجه تحديات مالية وتقنية كبيرة، إضافة إلى محدودية الطاقة الكهربائية.
2. إعادة هيكلة القطاع الزراعي
وهو قرار سياسي صعب، لكنه ضروري لإعادة توزيع المياه وتقليل الهدر.
3. تقنين المياه في المدن الكبرى
وهو إجراء بدأت به بالفعل بعض المحافظات، وقد ينفذ على مستوى طهران خلال العام المقبل.
4. نقل المياه من مناطق بعيدة
قد تفكر الحكومة في إنشاء خطوط نقل مياه من الشمال، إلا أن المشروع مكلف ويحتاج سنوات.
5. الإخلاء المؤقت لبعض المناطق
وهو السيناريو الأكثر تشاؤمًا، لكنه مطروح داخل بعض الدوائر الحكومية.
الاستجابة الحكومية: حلول… لكنها غير كافية
بدأت الحكومة الإيرانية تنفيذ عدة إجراءات للحدّ من الأزمة، منها منع الري النهاري، وتقليل ساعات الضخ، وإطلاق حملات توعية، وتطوير مشاريع تحلية جديدة، غير أن هذه الحلول حتى الآن تبدو ضئيلة مقارنة بحجم المشكلة.
ويشير خبراء إلى أن إيران تحتاج إلى إصلاح شامل لقطاع المياه، يشمل:
- تحديث طرق الري.
- وقف الحفر العشوائي.
- تحسين إدارة السدود.
- تطوير شبكات توزيع المياه.
- سنّ قوانين صارمة للاستهلاك المنزلي والصناعي.
أزمة قد تعيد رسم مستقبل إيران
ليست أزمة المياه في إيران مجرد ملف بيئي، بل قضية مصيرية تهدد المدن الكبرى والقطاعات الحيوية، وتفتح الباب أمام تغيّرات ديموغرافية واقتصادية واسعة.
وبينما تستمر مستويات الجفاف في الارتفاع، يظل هاجس إخلاء طهران قائمًا ما لم تتخذ الحكومة إجراءات جذرية تتناسب مع حجم التحدي.

