تحركات عسكرية مفاجئة وضغوط دولية مكثفة تضع أوروبا على حافة اضطراب جديد في واحدة من أطول الحروب الحديثة
تشهد الحرب بين روسيا وأوكرانيا منعطفاً جديداً خلال الأسابيع الأخيرة، مع عودة التصعيد العسكري على عدة جبهات وارتفاع حدة الخطاب السياسي بين موسكو
وكييف، في وقت تتزايد فيه المخاوف الدولية من دخول الصراع مرحلة أكثر تعقيداً بالتزامن مع حلول الشتاء،
وهو الفصل الذي يحمل دائماً تأثيرات مباشرة على العمليات العسكرية، وتحرك التحالفات الدولية، وسوق الطاقة في أوروبا.
يبدو المشهد حالياً أكثر ضبابية مما كان عليه قبل أشهر، فبينما تتحدث موسكو عن “عمليات نوعية” في مناطق متقدمة، تؤكد كييف أنها تواجه “موجة ضغط غير
مسبوقة”، وأن الدعم الغربي لم يعد كافياً لتعويض الفجوة بين القدرات الروسية المتنامية وقدرات الجيش
الأوكراني التي تراجعت نتيجة طول أمد الحرب ونقص الذخائر والمعدات الثقيلة.
التطورات الأخيرة تشير بوضوح إلى أن الطرفين يستعدان لمرحلة جديدة من المواجهة، مرحلة قد تتجاوز حدود الاشتباكات التقليدية وتفتح الباب أمام
سيناريوهات أكثر خطورة، خصوصاً مع تزايد استخدام الطائرات المسيّرة، وتكثيف الهجمات المتبادلة داخل العمق الروسي والأوكراني، إلى جانب تعزز النشاط
العسكري على الحدود البيلاروسية — وهي نقطة حساسة تعتبرها كييف أبواباً خلفية محتملة لأي تحرك روسي موسّع.
على الأرض، تشهد مناطق دونيتسك وخاركيف نشاطاً عسكرياً مكثفاً، حيث أفادت مصادر أوكرانية بأن القوات الروسية تستخدم تقنيات قتالية جديدة تعتمد على دمج
المسيّرات مع راجمات الصواريخ، بهدف إرباك الدفاعات الأوكرانية. في المقابل، تؤكد موسكو أنها بصدد إحباط
“محاولات اختراق” أوكرانية تهدف إلى استعادة مواقع فقدتها خلال الصيف الماضي، وأن قواتها حققت تقدماً محدوداً لكنه “ذو قيمة استراتيجية” في عدة محاور.
ويعترف مسؤولون عسكريون غربيون بأن روسيا تبدو اليوم أكثر قدرة على المناورة مقارنة ببداية الحرب، بعدما نجحت في تعزيز خطوط الإنتاج العسكري، وزيادة
الاعتماد على المسيّرات الإيرانية والمعدات الصينية، وهو ما يمنحها قدرة على تعويض الخسائر بسرعة أكبر
من أوكرانيا، التي تواجه صعوبة في الحصول على معدات نوعية بالسرعة اللازمة.
من جهة أخرى، يشعر القادة الأوكرانيون بقلق متزايد من تباطؤ الدعم الأميركي نتيجة الانقسامات السياسية في واشنطن. فبينما تؤكد الإدارة الأميركية أن الدعم “لم ولن
يتوقف”، يشير محللون إلى أن استمرار النقاشات الداخلية حول أولويات الإنفاق قد يؤثر على توقيت وصول الأسلحة، وهو أمر تعتبره كييف “مسألة حياة
أو موت” في هذه المرحلة. زيلينسكي صرح مؤخراً بأن بلاده “تقاتل بأقل مما تحتاج”، وأن التأخير “يكلفها أرضاً وأرواحاً يومياً”.
وفي أوروبا، يتردد صدى الصراع في العواصم الكبرى، حيث ازدادت المخاوف من موجة جديدة من عدم الاستقرار في القارة، خصوصاً إذا توسعت الهجمات
المتبادلة أو دخلت أطراف أخرى على خط المواجهة. الاتحاد الأوروبي وصف الوضع بأنه “الأكثر حساسية منذ بداية الحرب”، مؤكداً أن الصراع بات “ملفاً أمنياً
واقتصادياً مصيرياً” لا يمكن تركه بدون حلول سياسية واضحة.
واللافت أن الحديث عن المفاوضات عاد إلى السطح من جديد، لكن دون أي مؤشرات عملية على تغير مواقف الطرفين. فموسكو تصر على عدم التراجع عن “المكاسب
الميدانية”، فيما تقول كييف إنها لن تذهب لأي طاولة مفاوضات دون انسحاب روسي من المناطق التي احتلتها. هذا التناقض يجعل الحل السياسي شبه مستحيل في
المدى القريب، ويضع الحرب على مسار قد يمتد لفترة طويلة، ما يضاعف من الأعباء الاقتصادية على أوروبا
التي ما زالت تتعافى من آثار جائحة كورونا ومن أزمة الطاقة التي تفاقمت بعد بدء الحرب.
ومع اقتراب فصل الشتاء، يعود ملف الطاقة إلى الواجهة بقوة، إذ تخشى الدول الأوروبية من تجدد الضغوط على إمدادات الغاز الطبيعي. ورغم تحسن الوضع مقارنة
بالعام الماضي بفضل تنويع مصادر الغاز المسال، إلا أن أي تصعيد جديد قد يؤثر على الأسعار في الأسواق العالمية. دول مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا تراقب الوضع
بقلق، خصوصاً مع توقعات بانخفاض درجات الحرارة في يناير وفبراير، ما قد يدفع الحكومات لاتخاذ إجراءات استثنائية لتأمين احتياجات المؤسسات والمواطنين.
الأسواق بالفعل بدأت تتفاعل مع هذه التطورات، حيث ارتفعت أسعار الغاز بنسبة ملحوظة خلال الأسابيع الماضية، بينما شهدت أسعار النفط تذبذباً حاداً في ظل
القلق من احتمال توسع الحرب أو حدوث هجمات مؤثرة على البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا أو روسيا. ويرى خبراء اقتصاديون أن استمرار عدم الاستقرار قد يعيد
أوروبا إلى مرحلة الضغط الاقتصادي، حتى وإن كانت الحكومات قد بنت احتياطياً معقولاً من الغاز.
على الصعيد الإنساني، تزداد المعاناة يوماً بعد يوم. فالأمم المتحدة تشير إلى أن ما يزيد على 14 مليون شخص أصبحوا بحاجة إلى مساعدات عاجلة، بينهم
ملايين يعيشون بالقرب من خطوط القتال حيث يتعرضون لانقطاعات متكررة في الكهرباء والمياه والتدفئة. المنظمات الإنسانية تحذر من “شتاء قاسٍ”
على المدنيين، خصوصاً في مناطق مثل دونيتسك وزاباروجيا، حيث تتعرض البنية التحتية للقصف بشكل شبه يومي.
وفي روسيا، بدأت المناطق الحدودية تشهد موجات نزوح داخلي بعد زيادة الهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيّرة، التي تسببت في أضرار مادية وهلع بين السكان. الحكومة
الروسية أعلنت عن إجراءات “لتعزيز الأمن الداخلي”، لكن العديد من التقارير تشير إلى أن الهجمات تصيب أهدافاً مدنية إضافة إلى المنشآت العسكرية.
أما الدبلوماسية الدولية، فهي تبدو في أسوأ حالاتها منذ بداية الصراع. فقد فشلت عدة محاولات وساطة أظهرت بعض الأمل خلال العام الماضي، بينما تراجع الحديث عن
لقاءات تجمع الطرفين. حتى الصين التي حاولت لعب دور الوسيط لم تنجح في تحقيق تقدم ملموس، خاصة بعد ازدياد الضغوط الغربية عليها بسبب دعمها غير
المباشر لموسكو. وفي المقابل، تواصل تركيا لعب دور القناة المفتوحة بين الطرفين، لكن قدرتها على التأثير
تبقى محدودة في ظل تضارب المصالح الإقليمية والدولية.
السيناريوهات المطروحة حالياً تتراوح بين استمرار الحرب بالوتيرة الحالية — مع تقدم بطيء ومتبادل
للطرفين — وبين احتمال أن تسعى روسيا لإطلاق عملية موسعة قبل نهاية الشتاء لاستغلال النقص في الذخيرة
لدى أوكرانيا. وهناك سيناريو آخر يرى بعض المحللين أنه قد يصبح واقعياً: اتساع دائرة المواجهة لتشمل مناطق أعمق داخل روسيا أو هجمات على منشآت
استراتيجية، وهو احتمال يحمل مخاطر كبيرة على الأمن الإقليمي.
وفي الوقت ذاته، تتزايد التحذيرات الأوروبية من “وضع غير مسبوق” إذا استمرت الظروف الحالية. فالدول الأوروبية تخشى أن يؤدي استمرار الحرب إلى موجة
جديدة من التضخم، وإلى ضغوط على قطاعات حساسة مثل الصناعات الثقيلة وأسواق الطاقة. كما تخشى من
موجات نزوح جديدة قد تضيف أعباء على الاقتصاد الاجتماعي لدول الاتحاد.
الواقع يشير إلى أن الحرب دخلت مرحلة جديدة ومعقدة، حيث لا يبدو أن هناك طرفاً مستعداً للتراجع. أوكرانيا تصر على استعادة أراضيها، وروسيا تتمسك بما تعتبره
“حدوداً جديدة للاتحاد الروسي”. وفي ظل هذا التباين
الشديد، يظل مستقبل الصراع مفتوحاً على كل الاحتمالات، من استمرار الاستنزاف إلى انفجار أوسع.
ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن العام المقبل قد يشهد تحولاً في مواقف بعض القوى الدولية، إما بسبب ضغوط
اقتصادية أو سياسية أو تغير في الأولويات العالمية. لكن
ما يبدو مؤكداً الآن هو أن الحرب ستستمر في تشكيل المشهد الجيوسياسي للعالم، وأن أي تصعيد جديد لن
يقتصر تأثيره على أوروبا فقط، بل سيترك بصمة واضحة على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والتحالفات الدولية لسنوات قادمة.
وفي خضم هذه الصورة المعقدة، يبقى السؤال الحاسم: هل العالم مقبل على مرحلة جديدة من التصعيد قد تغيّر ملامح الصراع بالكامل، أم أن التوازنات الحالية ستقود
في النهاية إلى تسوية سياسية صعبة ولكنها ممكنة؟ الإجابة ما زالت غير واضحة، لكن المؤكد أن أيام الشتاء القادمة ستكون من أكثر الفترات حساسية منذ اندلاع
الحرب، وأن أي تطور — مهما بدا صغيراً — قد يكون له أثر كبير على مستقبل المواجهة.

