بعد تشوّهٍ جسدي كبير.. وحش فرانكشتاين” يعود جذّابًا في فيلم ديل تورو الجديد
القاهرة – Ahl Cairo
بعد أكثر من قرنين على ميلاد وحش “فرانكشتاين”، يعود المخلوق الأسطوري إلى الشاشة من جديد، هذه المرة على يد المخرج المكسيكي غيليرمو ديل تورو، الذي اختار أن يعيد تعريف الوحش لا كرمز للرعب، بل ككائن يسكنه الجمال المنكسر والبحث عن الذات.
الفيلم الجديد Frankenstein (2025)، الذي انتظره عشاق السينما والفانتازيا منذ سنوات، يأتي مختلفًا جذريًا عن النسخ السابقة. فبدلًا من أن يركّز على فكرة الخوف من الخلق، ينشغل بسؤال آخر: ماذا لو كان القبح طريقًا إلى اكتشاف الجمال؟
إرث الحكاية القديمة

منذ أن كتبت ماري شيلي روايتها الشهيرة عام 1818، تحوّل فرانكشتاين إلى رمزٍ متعدد الوجوه: في بعض القراءات، هو وحش يهدد الإنسانية؛ وفي أخرى، هو ضحية الإنسان وجشعه العلمي. عشرات النسخ السينمائية تناوبت على تقديم الحكاية، من أفلام الأبيض والأسود في الثلاثينيات إلى إنتاجات هوليوود الحديثة، لكن نادرًا ما حاول أحد النظر إلى المخلوق من الداخل.
ديل تورو، المعروف بشغفه بالكائنات المهمّشة في أعماله السابقة مثل The Shape of Water، لا يهتم بالخوف بقدر ما يهتم بالحنين. يقترب من الوحش كما يقترب شاعر من قصيدته الأولى، محاولًا فهمه لا محاكمته.
المخلوق.. مرآة الإنسان
الممثل جاكوب إيلوردي، في دور المخلوق، يقدّم أداءً استثنائيًا بعيدًا عن الصورة النمطية. وجهه المشوّه لا يثير الرعب بقدر ما يثير التعاطف. كل نظرة، كل حركة، تبدو كأنها محاولة لاستعادة إنسانيته المسلوبة.
“أنا لست من عالمكم، ولا أنتمي إليه.” — من حوار الفيلم
بهذه العبارة يعلن المخلوق غربته، لا عن البشر فقط، بل عن ذاته أيضًا. وهنا يكمن جوهر الفيلم: الكائن الذي صُنع من أجزاء بشرية يبحث في النهاية عن قلبٍ واحدٍ ينبض بالحب.
اللغة البصرية: ظلالٌ تتنفس الجمال
يُعدّ الجانب البصري أحد أعمدة الفيلم. الألوان الداكنة تُذكّرنا بالرسم الكلاسيكي لعصر الباروك، حيث يمتزج الضوء بالظلال في رقصة بصرية تُجسّد الصراع بين الحياة والموت. التصوير الذي تم بين بودابست وبراغ يمنح المشاهد إحساسًا بالعزلة التاريخية، كأننا في عالم لا ينتمي لزمن بعينه.

يستخدم ديل تورو العدسة كفرشاة، والمشهد كلوحة، يملؤها بإيحاءات بصرية تُحاكي الألم، وتُظهر التشوّه كجمالٍ ناقص لا كعيب. أما الموسيقى التي وضعها ألكسندر ديسبلات، فتأتي ناعمة، متسلّلة إلى الأعماق، تهمس أكثر مما تُعلن، كأنها ضمير المخلوق الخفي.
ما بين الخلق والذنب
الطبيب فيكتور فرانكشتاين (يؤديه أوسكار آيزاك) يظهر هنا كشخصية مأزومة، عالِم أراد تجاوز حدود الطبيعة فحوّل العلم إلى ذنب. في لحظة المواجهة بينه وبين المخلوق، لا نرى قاتلًا وضحية، بل كائنين ضائعين في متاهة الخلق.
يسأل الفيلم سؤالًا أخلاقيًا عميقًا: هل يحق للإنسان أن يمنح الحياة؟ وإذا فعل، فهل يتحمّل نتائجها؟
ديل تورو لا يقدّم إجابة، بل يفتح الباب أمام المتفرج ليتأمل ذاته. فالمخلوق في النهاية ليس سوى انعكاس لصانعه — كما البشر هم مرآة لضعفهم ومخاوفهم.
“لقد صنعتني من خوفك، والآن تخاف مما صنعت.” — من حوار فيكتور فرانكشتاين
فرانكشتاين في عيون النقاد
منذ عرضه الأول في مهرجان البندقية السينمائي، أثار الفيلم ضجة نقدية واسعة. صحيفة The Guardian وصفته بأنه “أجمل تأمل سينمائي في معنى الإنسان منذ عقود”، فيما كتب موقع Rotten Tomatoes أن “الوحش أصبح هذه المرة صوتًا للفلسفة، لا صرخة للرعب”.
الناقدة الإسبانية إيزابيل لوبيز كتبت في El País أن “الفيلم يختصر مسيرة ديل تورو كلها: بحث دائم عن الجمال وسط الحطام”. أما الجمهور فقد تفاعل بشدة مع الأداء الرقيق لجاكوب إيلوردي، الذي منح المخلوق إنسانية غير مسبوقة.
وبحسب بيانات IMDb، تخطّى الفيلم تقييم 8.6/10 خلال أسبوعه الأول، متقدّمًا على معظم أفلام العام من حيث الإشادة النقدية.
رؤية ديل تورو: حين يصبح القبح لغة للفهم
المخرج، في مقابلاته، أكد أنه لم يسعَ لتقديم رعبٍ تقليدي بل “تجربة روحية عن الجمال المهدور”.
بالنسبة له، فرانكشتاين ليس وحشًا وُلد من المختبر، بل استعارة للإنسان الذي يُسحق تحت معايير الكمال. وفي عالمٍ تحكمه الصور المثالية، يصبح القبح شكلًا آخر من أشكال الحقيقة.
تبدو هذه الفكرة واضحة في الطريقة التي صُوِّرت بها الملامح: الوجه الممزق للمخلوق لا يُخفى بالظلال، بل يُضاء عمداً ليكشف الصدق في عيوبه. الجرح هنا ليس للتشويه، بل للبوح.
مسلسل بيت غينيس نتفليكس: ملحمة صراع عائلي يغيّر تاريخ القرن التاسع عشرhttps://ahl-cairo.online/%d9%85%d8%b3%d9%84%d8%b3%d9%84-%d8%a8%d9%8a%d8%aa-%d8%ba%d9%8a%d9%86%d9%8a%d8%b3-%d9%86%d8%aa%d9%81%d9%84%d9%8a%d9%83%d8%b3-%d9%85%d9%84%d8%ad%d9%85%d8%a9-%d8%b5%d8%b1%d8%a7%d8%b9-%d8%b9%d8%a7%d8%a6/
السينما كفنٍّ للتأمل
الجميل في أعمال ديل تورو أنه لا يفصل بين الفن والفكر. في Frankenstein يلتقي الأدب بالفلسفة، والعلم بالشعر، في مزيجٍ يجعل المشاهد جزءًا من التجربة لا متلقيًا سلبيًا.
من اللقطة الأولى حتى الأخيرة، يتحرك الفيلم كحلمٍ طويل عن معنى أن تكون إنسانًا ناقصًا في عالمٍ يبحث عن الكمال.
“ليس الرعب في الوحش، بل في الإنسان الذي لا يرى نفسه.” — غيليرمو ديل تورو
صوت جديد لحكاية قديمة
يُعيد ديل تورو إحياء أسطورة عمرها قرنان دون أن يسجنها في الماضي. ففي زمن الذكاء الاصطناعي والأجساد المصنّعة والهوية الرقمية، يبدو فرانكشتاين أكثر حداثة من أي وقت.
المخلوق لم يعد تجسيدًا للموت، بل إنذارًا من الغرور البشري الذي يحاول احتكار الخلق.
يبدو الفيلم في جوهره تأملًا في معنى الإنسانية أكثر من كونه فيلم رعب. مشاهد طويلة بلا حوار، نظرات ممتدة، موسيقى تهمس بالوحدة… كلها أدوات تجعل المتفرج أمام مرآة نفسه، لا أمام شاشة فقط.

