حريق كارثي يلتهم سبعة أبراج سكنية في هونغ كونغ: 36 قتيلًا وأكثر من 375 مفقودًا
في واحدة من أسوأ الكوارث السكنية في تاريخ هونغ كونغ خلال العقد الأخير، اندلع حريق ضخم في مجمّع سكني مكوّن من ثمانية أبراج في منطقة تاي بو، ما أدى إلى وفاة 36 شخصًا على الأقل، بينما ما يزال أكثر من 375 شخصًا في عِداد المفقودين، وسط عمليات بحث وإنقاذ معقدة تشارك فيها قوات ضخمة من رجال الإطفاء والطوارئ.
بدأ الحريق وفق البيانات الأولية عند الساعة الثالثة تقريبًا بتوقيت هونغ كونغ، قبل أن يمتد عبر واجهات الأبراج السكنية المحاطة بسقالات من الخيزران، مستخدمة في أعمال ترميم حديثة، الأمر الذي ساهم في تسريع انتشار النيران بصورة هائلة وغير مسبوقة.
اندلاع الحريق: من شرارة صغيرة إلى كارثة واسعة
تشير المعلومات الأولية إلى أن الحريق بدأ في نقطة محدودة داخل إحدى السقالات الخارجية، لكن سرعة الرياح، ووجود مواد قابلة للاشتعال، وتكدّس أدوات العمل على الواجهات، تسببت جميعها في خروج الحريق عن السيطرة خلال دقائق. وقد وثقت تسجيلات لقطات مصورة التهام النيران لثلاثة أبراج خلال أقل من 40 دقيقة، وهو معدل انتشار غير مألوف مقارنة بحوادث مشابهة.
وأوضح شهود عيان أن السقالات المكونة من الخيزران الجاف كانت “كوقود جاهز للاشتعال”، الأمر الذي جعل النيران ترتفع بسرعة عمودية متتابعة، ومن ثم تنتشر أفقيًا إلى الأبراج المجاورة التي كانت تخضع للترميم أيضًا.
“كنا نسمع أصوات انفجارات صغيرة، ربما بفعل تمدد المعادن وسقوط أجزاء من السقالات. النيران كانت تتحرك أسرع منا”.
— أحد السكان الناجين.
حصيلة بشرية ثقيلة: 36 قتيلًا ومئات المفقودين
أعلنت السلطات ارتفاع عدد الضحايا المؤكدين إلى 36 قتيلًا، بينهم رجل إطفاء قضى أثناء محاولة الوصول إلى أحد الطوابق العلوية. أما عدد المفقودين، فقد تجاوز 375 شخصًا حتى الساعة، وهو رقم مرشح للزيادة مع استمرار عمليات البحث في الشقق التي دمرت جزئيًا وانهارت بعض أجزائها.
وتشير تقديرات أولية إلى أن جزءًا من المفقودين قد يكونون عالقين في مناطق السقالات المتضررة أو داخل طوابق لم تستطع فرق الإنقاذ الوصول إليها بسبب انهيار ممرات أو ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات خطرة.
عملية إنقاذ ضخمة: أكثر من 1000 رجل إطفاء في الموقع
دفعت دائرة الإطفاء في هونغ كونغ بكل طاقتها إلى الموقع، حيث شارك أكثر من ألف رجل إطفاء وطوارئ في عمليات الإخماد والبحث، مستخدمين سلالم هيدروليكية ومعدات ضغط الهواء ومركبات تدخل سريع. كما استعانت السلطات بطائرات درون حرارية لتحديد أماكن الحرارة الشديدة وتقدير مواقع قد تحتوي على عالقين.
لكن رغم ذلك، واجهت الفرق تحديات كبيرة، أبرزها:
- صعوبة الوصول إلى الطوابق العليا بسبب انهيار أجزاء من السقالات.
- انتشار الدخان الكثيف في ممرات الطوارئ ومنع الرؤية.
- انقطاع الكهرباء مؤقتًا داخل بعض الأبراج، ما أثر على أنظمة التهوية.
- خطر سقوط هياكل معدنية من الواجهات المتضررة.
وأكد مسؤول في فرق الإنقاذ أن “الحريق ليس عاديًا، بل حالة معقدة بسبب تداخل ثلاثة عناصر: الارتفاع، السقالات، والرياح”.
أسباب انتشار الحريق بهذه السرعة
تُعد السقالات التقليدية المصنوعة من الخيزران جزءًا من ثقافة البناء في هونغ كونغ، وتستخدم لمرونتها ورخص تكلفتها. لكن هذه التقنية القديمة أصبحت محور جدل كبير، إذ أن الخيزران، رغم معالجته بمحاليل معينة، يظل مادة قابلة للاشتعال بسرعة.
العوامل الرئيسية التي ضاعفت حجم الكارثة
- السقالات الخشبية: تعمل كمسار مثالي لانتشار النار عموديًا.
- الرياح: سرعت انتقال الشرر عبر الأبراج المتجاورة.
- مواد البناء المكشوفة: وجود عوازل ومواد تغليف غير مثبتة بالكامل.
- أدوات العمل: تساقط معدات كانت على منصات السقالات ساهم في تعقيد الوضع.
شهادات إنسانية: قصص من قلب المأساة
روى ناجون أنهم استيقظوا على أصوات صراخ وطرق على الأبواب، بينما حاول بعض السكان النزول عبر السلالم قبل أن يغمرها الدخان. آخرون لجأوا إلى أسطح الأبراج بحثًا عن الهواء، حيث تم إنقاذ بعضهم بواسطة الحبال والسلالم الطويلة.
“لم نتمكن من حمل أي شيء. خرجنا كما نحن. كنا نركض بين الطوابق ونحن نحاول استنشاق أي هواء نقي.”
— سيدة تم إخلاؤها من الطابق 17.
تحقيقات واسعة: الحكومة تحت ضغط
أعلنت حكومة هونغ كونغ فتح تحقيق رسمي يتضمن مراجعة تراخيص شركات الترميم، وفحص مدى التزامها بمعايير السلامة، وتقييم وضع السقالات. ويرجح محللون أن التحقيق سيقود إلى تغييرات قانونية كبيرة، خصوصًا بعد الانتقادات الواسعة لاستخدام الخيزران في المباني الشاهقة.
كما طلبت إدارة الإطفاء سجلات الفحوصات السنوية لأنظمة الإنذار والإخلاء داخل المجمع السكني، وسط تساؤلات حول سبب عدم عمل بعض أجهزة الإنذار الصوتية في أحد الأبراج.
تداعيات مستقبلية: هل تتغير قوانين البناء؟
الحادثة أعادت فتح النقاش حول ضرورة تحديث أنظمة البناء، واستبدال السقالات التقليدية بأخرى معدنية مقاومة للاشتعال، إضافة إلى إلزام شركات المقاولات بخطط طوارئ أثناء الترميم، تشمل رشاشات مائية مؤقتة ومولدات احتياطية للطوارئ.
ويرى خبراء أن هذه الكارثة قد تقود إلى أكبر تعديل في لوائح البناء في هونغ كونغ منذ ما يزيد على 15 عامًا.
الحريق الذي ضرب مجمع Wang Fuk Court لم يكن مجرد حادث عابر، بل أزمة إنسانية وهندسية واجتماعية كشفت عن ثغرات خطيرة في نظام السلامة العمرانية. وبينما تستمر عمليات البحث عن المفقودين، تشير التقديرات إلى أن هذا الحادث قد يُغيّر مستقبل قوانين البناء في المدينة، وربما في المنطقة بأكملها.
مصادر خارجية
تعتمد هذه التغطية على تقارير وتحليلات من:
- وكالة رويترز
- وكالة أسوشيتد برس (AP)
- BBC News — تقارير ميدانية
- The Guardian — تغطية تحليلية
- South China Morning Post — مصادر محلية

